نخبة من الأكاديميين

894

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

بغداد في محاولة الرد عليهم بالبدء بالتفكير حول طبيعة المخلوق ، وفلسفة الطبيعة ، والتنظير حول معنى الجسم وماهيته ، وأجزائه وأعراضه وصفاته ، ومسألة كيفية الحدوث ، وكل ما عرف بعد ذلك بدقيق الكلام ( أو اللطيف من علم الكلام ) ؛ وكانت نظرية الخلق من العدم اقترحت من قبل المتكلمين لأجل إعطاء تفسير لحدوث العالم ومسألة إثبات الصانع ، في حين كان لهذه النظرية استلزامات كلامية كان لا بد للمتكلمين أن يفكروا فيها ، وأن يعطوا تفسيراً عن كيفية خلق الحوادث من قبل الله من دون أن يضطروا بقبول تجدد ذات الله وصفاته الذي لا يليق به . وهذه الأبحاث بدورها أخذت تعمّق مسأله التأمل النظري حول الحدوث ، وربط الحادث بالقديم ، ومسألة علاقة الله وصفاته بعملية الخلق ، ومسألة فاعلية الله في العالم . ولذلك كانت إشكالية التنزيه / التشبيه ترتبط بإشكالية القديم / الحادث ، وفي هذا المجال ، كان المعتزلة والجهمية ، يدافعون عن الرؤية التنزيهية لله وصفاته ، ويردّون على عقيدة التشبيه وعقيدة الصفات عند قطاعات أصحاب الحديث وفقهاء السنة . هذه النقاشات أدت إلى إيجاد نوع من المناخ الفكري ، يتناسب وتبادل الأفكار بين سائر الجهات المنخرطة في النقاشات والأبحاث الفكرية في هذا الوقت المبكر من تاريخ علم الكلام في الإسلام في القرنين الثاني والثالث الهجريين . وفي جانب المعتزلة ، كان للمتكلمين المرجئة والجهمية والأوساط القريبة منهم أمثال ضرار بن عمرو الكوفي ( المتوفى حوالي سنة 200 ه - ) ، وبشر المريسي ( المتوفى سنة 218 ه - ) في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري دور بارز في تطور علم الكلام ، وفي النقاشات المختلفة السائدة آنذاك أيضاً ، خاصة أن قسماً منهم على الأقل ، كان يتبع الجهم بن صفوان ، كما لا بد أن نذكر دور الأباضية ، وبقية فرق المحكِّمة في تطوير علم الكلام المبكر . طبيعة الفعل الإنساني في وسط هذه النقاشات حول علاقة الله بالإنسان ، وفاعلية الله في حياته اليومية والدينية من جهة ، ومسألة حدوث العالم ، وعملية الخلق ، وربط الحادث بالقديم ، تصدرت مسألة الفعل الإنساني وطبيعته أولى الاهتمامات لدى المسلمين . وهذه النقاشات كما هو معروف ارتبطت بالجدل حول مدى مسؤولية الإنسان أمام الله ؛ ولأجل ذلك اهتم المتكلمون بتفاصيل دقيقة ترتبط بطبيعة الفعل الإنساني ، وكيفية تصرف الإنسان في نفسه ، وفي العالم ؛ من هنا بدأ البحث حول موضوعات كالاستطاعة والكسب وخلق الأعمال ، والتولد والطبع وغيرها من الموضوعات التي كانت في صدارة وأولويات الفكر الكلامي ، والمنظومات الكلامية في الإسلام في مختلف المدارس الكلامية في القرون التالية . فقد ناقش المتكلمون مسألة علاقة الله بالفعل الإنساني ، وكيف يمكن قبول مسؤولية الإنسان مع الاعتقاد بفاعلية الله المطلقة في الكون ؟ وكيف يمكن القبول بالتوحيد الأفعالي في حين هناك فاعلية حرة من دونه ؟ وأكثر من ذلك ، كيف يمكن التوافق بين أزلية ووحدوية ولا زمانية / مكانية الله ، وبين تدخله وتصرفه في الفعل الإنساني الزماني / المكاني ؟ وهل يعني ذلك تجدّد في ذات الله ؟ وكيف يمكن أن نقبل